القاسم بن إبراهيم الرسي

65

مجموع كتب ورسائل الإمام القاسم بن إبراهيم الرسي

معرفته ، ما أراني من أرضه وسمائه « 1 » ، وفطرته لهما وإنشائه ، فنجاني من هلكتكم بجهله « 2 » والاشراك به ، وخصّني مع النجاة من هداه لي [ باليقين ] ، ولولا هداه لي لعبدتّ كما عبدتم الآفلين ، وكيف يكون [ إلها ] من أفل ، وزال عن معهود حاله وتبدل « 3 » ؟ ! ! وفي تبدل الذات والصفات والأحوال ، ما لا يدفع عن المتبدل من الافناء والابطال ، وما بطل وفني ، فخلاف ما دام وبقي ، وما اختلف وتفاوت من الأشياء ، فليس يحكم له - إلا من ظلم - بالاستواء ! فكيف سويتم في معنى ، بين ما يدوم وبين ما يفنى ؟ ! إلا أن تساووا في مقال واحد بين كاذب وصادق ، وكما سويتم فيما تحبون من العبادة وغيرها بين مخلوق وخالق . وفي ذلك من جور الحكم في العقل والمقال ، ما لا يجهل جوره أجهل الجهال ، بل فيه عن اللّه أحوال المحال ، وما لا يمكن اجتماعه في حال ، فلما قطعهم صلى اللّه عليه وسلم بحجته في مقالته ، خسئوا صاغرين عن منازعته ومجادلته ، فلما صموا عن إجابته بعد الهدى ، هاجر إلى اللّه سبحانه عنهم مجاهدا ، وقال : إِنِّي ذاهِبٌ « 4 » إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ ( 99 ) [ الصافات : 99 ] . يريد : سيهدين يزيدني بمهاجرتي إليه من هداه فيقويني ، فهداه في هجرته سبيله ، وجعله بهداه له خليله ، فلم يزل صلى اللّه عليه وسلم مهتديا ، حتى قبضه اللّه على هداه ورشده رضيا ، فأجزل له في الهدى والهجرة الثواب والرحمة ، وجعل في ذريته من بعده النبوة والبيان والحكمة ، وأعطاه برحمته وفضله اللّه رب العالمين ، ما سأله أن يجعله له من لسان صدق في الآخرين ، فبقي في الغابرين بالصالحات ذكره ، وآتاه بذلك في الدنيا أجره ، كما قال أرحم الراحمين : وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ( 27 ) [ العنكبوت : 27 ] . فنسأل اللّه الذي

--> ( 1 ) في ( ب ) : وسماواته . ( 2 ) أي : بجهلكم للّه . ( 3 ) في المخطوطتين : وكيف يكون من أفل وزال وتبدل ، عن معهود حاله ولم يتبدل ؟ ولعلها مصحفة ، فاجتهدت في إصلاح النص ، واللّه أعلم بالصواب . ( 4 ) في المخطوطتين مُهاجِرٌ وهي من آية أخرى مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [ العنكبوت / 26 ] .